الذهبي
415
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
أكثرها ، وكان يقول : لو شئتُ أن أَعُدَّ خلفاءكم خليفةً خليفةً لعددت ، فعظمت فتنة القوم به ، وبالغوا في طاعته ، إلى أن بلغوا حدًّا لو أمر أحدهم بقتْل أبيه أو أخيه أو أبنه لقتله ، وسهّل ذلك عليهم ما في طباعهم من القسْوة المعهودة في أهل الجبال ، لا سيما المغاربة البربر ، فإنّهم جُبلوا على الإقدام على الدّماء ، واقتضاه إقليمهم ، حتّى قيل : إنّ الإسكندر أُهديت له فرسٌ لَا تُسبق ، لكنها لَا تصهل ، فلّما حلّ بجبال دَرَنْ ، وهي بلاد المَصَامدة هذه ، وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت ، فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره ، فكتب إليه : هذه بلاد شر وقسوة ، فعجل الخروج منها ، وأنا فقد شاهدت من إقدامهم على القتْل لمّا كنت بالسُّوس ما قضيت منه العجب . قال : وقوي أمر ابن تُومَرْت في سنة خمس عشرة وخمسمائة ، فلما كان في سنة سبْع عشرة جهّز جيشًا من المصامدة ، جلهم من أهل تينملل والسُّوس ، وقال لهم : اقصدوا هؤلاء المارقين المبدّلين الّذين تسمَّوا بالمرابطين ، فادْعُوهم إلى إماتة المُنْكَر ، وإزالة البِدَع ، والإقرار بالإمام المهديّ المعصوم ، فإنْ أجابوكم فهُمْ إخوانكم ، وإلّا فقاتِلُوهم ، وقد أباحت لكم السُّنَّةُ قتالَهم ، وقدم عليهم عبد المؤمن ، فسار بهم قاصدًا مَرّاكُش ، فخرج لقتالهم الزُّبَير ابن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ، فلّما تراءى الْجَمْعان كلموا المرابطين بما أمرهم به ابن تُومَرْت ، فردَوا عليهم أسوأ ردّ ، ووقع القتال ، فانهزم المَصَامِدة ، وَقُتِلَ منهم مقتلة كبيرة ، ونجا عبد المؤمن ، فلمّا بلغ الخبرُ ابن تُومَرْت قال : أَلَيْس قد نجا عبد المؤمن ؟ قيل : نعم ، قال : لم يُفْقَد أحد ، ثمّ أخذ يهوّن عليهم ، ويقرر عندهم أنّ قتلاهم شُهداء ، فزادهم حِرْصًا على الحرب . وقال الأمير عزيز في كتاب " الجمع والبيان في أخبار القيروان " : إن ابن تومرت أقام بتينملل ، وسمّى أصحابه وأتباعه بالموحدين ، والمخالفين أمره : مجسّمين ، وأقام على ذلك نحو العام ، فاشتهر أمره سنة خمس عشرة ، وبايعته هَرْغَة على أنّه المهديّ ، فجهّز له علي بن يوسف جيشًا من الملثمين ، فقال ابن تومرت لأصحابه الّذين بايعوه : إنّ هؤلاء قد جاءوا في طلبي ، وأخاف عليكم